عالمي برعاية



    عالمي > العالم العام > قصص وخواطر > أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا
التسجيل للإعلان البحث

أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا

رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 04-05-2008, 01:26 AM
الصورة الرمزية HAMOKSHA0
عالمي منطلق
  الحياة 0 / 206
النشاط 35 / 475
المؤشر 25%
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 105
المستوى: 9
[]
أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا

للأستاذ الدكتور محمد إحسان النص جرى شعراؤنا القدامى على سنن وأعراف واضحة المعالم في نظام القصيدة العربية، وقد تبلورت هذه الأعراف فيما بعد فيما أطلق عليه مصطلح "عمود الشعر" والتزم هذه السنن شعراؤنا أحقابًا طوالاً قبل أن تتعرض القصيدة العربية لهزّات عنيفة في شكلها ومحتواها منذ أوائل القرن العشرين.
كان الشاعر العربي قبل الإسلام يفتتح قصيدته بالوقوف على الأطلال ووصف آثار الديار العافية ويعرّج بعد ذلك على النسيب، يقول فيه أبياتًا يمهّد بها لغرض القصيدة الرئيس. وقد يتخلل المقدمة وصف للناقة أو الثور الوحشي وغيرهما من ضروب الحيوان.
وقد ظل الشعراء في العصر الإسلامي يلتزمون هذا النهج، بوجـه

عام، لم يشذ عنه إلا شعراء الغزل، ولاسيما شعراء الغزل العذري، فقد شغلهم حبهم عن الالتفات إلى فنون الشعر الأخرى ووقفوا شعرهم على الغزل وحده. وكان أكثر الشعراء التزامًا لنهج القصيدة الجاهلية شعراء المديح، وفي مقدمتهم جرير والفرزدق والأخطل.
وقد استقر في العصر الإسلامي شكل القصيدة العربية حين استخلص العالم الفذّ الخليل بن أحمد أوزان الشعر العربي من استقراء النصوص الشعرية ووضع قواعد علم العروض وفصّل في ذكر ما يعتري التفعيلات من الزحافات والعلل، كما أسس علم القافية من حيث أنواعها وحروفها وصورها. ثم جاء الأخفش فزاد في البحوث الشعرية بحرًا أتم به عدد البحـور سـتة عشـر بحرًا وسـماه

البحر المتدارك. ولم يكد يطرأ على صنيع الخليل في الأوزان الشعرية والقافية تغيير ذو شأن إلى يوم الناس هذا.
على أنه ظهرت في العصر العباسي وفي الأندلس أشكال جديدة للقصيدة العربية (الموشح والزجل في الأندلس المواليّا والقوما والدوبيت في المشرق)، وهذه الأشكال بقيت هامشية في مسيرة الشعر العربي، فقد ظلّ جمهور الشعراء ملتزمين سنن القصيدة المتوارث في شكل القصيدة ومحتواها، ولم يتمرد على هذا النهج في العصر العباسي إلا بعض الشعراء المولدين ومنهم أبو نواس الذي دعا إلى التخلّي عن وصف الأطلال واستبدال وصف الخمر به فقال:
دع عنك ليلى ولا تطرب إلى هند
واشرب على الورد من حمراء كالورد
وسخر من الأعراف الشعرية التي تقضي باستهلال القصيدة بالوقوف على الأطلال فقال:
قل لمن يبكي على رسم درس
واقفًا ما ضرّ لو كان جلس
ومع ذلك فإن أبا نواس اضطر إلى التزام النهج التقليدي في مدائحه إرضاءً للممدوحين كقوله في مطلع إحدى مدائحه للرشيد:
قد طال في رسم الديار بكائي
وقد طال تردادي بها وعنائي
على أن ثورة أبي نواس على نهج القصيدة كانت ثورة في فنجان، ولم يتابعه أحد في وصف الخمر بدلاً من وصف الأطلال.
ومن نواحي التجديد كذلك في نظام القصيدة العربية في العصر العباسي استهلال بعض الشعراء الحكماء قصائدهم بالحكمة مكان وصف الأطلال.ومن هؤلاء أبو تمام والمتنبي، وقد أظهر المتنبي ضيقه بالتزام الشاعر مدحه بالنسيب فقال:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم
أكل فصيح قال شعرًا مُتيم
وحين عمد بعض الشعراء إلى وصف الأطلال خالفوا القدماء في أسلوب العرض، فنسمع المتنبي مثلاً يقول:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها
وقوف شحيح ضاع في الترب
ومنذ مستهلِّ القرن الثالث الهجري انصرفت طائفة من النقاد إلى (تقنين) نهج القصيدة العربية ووضع أصولها، وأول محاولة لهذا التقنين تمت على يد ابن قتيبة الدينوري (213 – 276هـ) في مقدمة كتابه "الشعر والشعراء"، وهو ينسب كلامه على نظام القصيدة إلى بعض أهل العلم، فذكر ابتداء القصيدة بذكر الديار والربع والآثار وارتحال الظاعنين عنها ثم وصله الوقوف على الأطلال بالنسيب وانتقاله إلى وصف رحلته ثم إلى غرضه من القصيدة وهو المديح، ثم قال: "فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدّل بين هذه الأقسام". فهو إذن قيد شعراء المديح بنهج القصيدة الموروث عن القدماء. ثم قال: "وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مُشيَّد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح...".
لقد جمّد ابن قتيبة شكل قصيدة المديح وحبسها في قوالبها القديمة ولم يبح للشعراء المحدثين أن يخرجوا عن هذه القوالب الشكلية وعن محتوى أقسام القصيدة.
وقد سبق ابن قتيبة ناقد نافذ البصيرة هو محمد بن سلام الجمحي (139 – 231هـ) فقدم لكتابه "طبقات فحول الشعراء" بمقدمة طويلة أبرز فيها ظاهرة انتحال الشعر، ولكنه لم يعرض لنظام القصيدة العربية، وإنما اكتفى بالحديث عن صناعة الشعر فقال: "للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين ومنها ما تثقفه الأذن ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".
ثم يأتي ناقد آخر كان متأثرًا بالمنطق اليوناني وهو قدامة بن جعفر (275 – 337هـ)، فيضع في كتابه "نقد الشعر" تعريفه المشهور بأنه: "قول موزون مقفى يدل على معنى"، ويجعل للشعر عناصر أربعة هي: اللفظ والوزن والقافية والمعنى، وهذا التعميم في حد الشعر من شأنه أن يدخل في الشعر كل كلام موزون مقفى وإن لم يكن ينطوي على مقومات الشعر الحقيقية.
وقد عاصر قدامة بن جعفر شاعر وناقد بصير بمذاهب الشعر هو أبو الحسن أحمد بن محمد المعروف بابن طباطبا (ت322هـ) فوضع كتابه الموسوم بـ "عيار الشعر"، الذي عرض فيه نظراته الصائبة في مقومات الشعر الشكلية والمعنوية خلافًا لقدامة بن جعفر الذي وضع للشعر قالبًا شكليًّا لا يمت إلى حقيقة الشعر بصلة.
جعل ابن طباطبا للشعر أدوات ينبغي توافرها في الشاعر قبل إقدامه على قول الشعر، وجعل الشعر صناعة، على الشاعر أن يستوعبها ويهيئ أدواتها، وجعل عيار الشعر "أن يعرض على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو وافٍ وما مجه ونفاه فهو ناقص"، وبذلك جعل تقويم الشعر وقفًا على الفهم والنظرة الثاقبة، وهذه النظرة المعيارية تختلف من ناقد إلى آخر، وتتوقف على التذوق للشعر، وضمَّن كتابه نصائح ونظرات يستهدي بها من أراد ولوج باب الشعر، وهذه النظرات النافذة تنبئ بما أوتيه ابن طباطبا من صحة الطبع الشعري وملكة التذوق المرهفة. على أنه لم يعرض لشكل القصيدة ونهجها.
حتى أوائل القرن الخامس الهجري لم يأت ناقد يضع نظرية نقدية في تحليل القصيدة العربية، وكان شراح الدواوين الشعرية يقنعون بشرح معاني الألفاظ والأبيات، وقد يجنح بعض منهم إلى بيان رأيه في صور الشاعر وأخيلته، ما حسن منها وما قبح، مستندًا إلى حسه النقدي ومقدرته على تذوق الشعر واستشفاف مواطن الجمال والإبداع فيه. إلى أن أتيح للنقد العربي أن يظهر فيه علم فذ من أعلام النقد والبلاغة هو عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) الذي وضع أسس النقد المنهجي للنص الأدبي، شعرًا كان أو نثرًا، مدفوعًا ببيان الإعجاز القرآني، فوضع نظريته في النظم التي فسَّر بها الإعجاز القرآني والتي تنسحب على فن القول عامة.
وبعد انقضاء مئتي سنة على وفاة عبد القاهر الجرجاني يظهر ناقد فذ على نقد الشعر والبلاغة نظرات مبتكرة تغير ما ألفناه لدى نقادنا القدامى هو أبو الحسن حازم القرطاجني (608 – 684هـ) فيؤلف كتاب "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، الذي يعد فتحًا عظيم الشأن في موضوع الأدب بفرعيه النثر والشعر، وقد تزود حازم بثقافة واسعة خصبة متنوعة الآفاق: لغوية ونحوية وعقلية وفلسفية عربية ويونانية، وأخذ علمه عن شيوخ لا حصر لعددهم، وترك مؤلفات في جميع هذه العلوم، وكان إلى ذلك شاعرًا مجيدًا. ومما يؤسف له أن القسم الأول من كتابه المنهاج قد فقد وسلم لنا باقيه، وقد تناول فيه صناعة الشعر، ففصَّل القول في معاني الشعر ومبانيه وأسلوبه.
وحتى ذلك العهد ظلّ الشعر العربي وفيًّا للشكل التراثي الخليلي، فكان شعرًا موزونًا مقفى يتألف من أبيات وكل بيت يتألف من شطرين، وينتهي الشطر الثاني بقافية تتكرر في جميع أبيات القصيدة، ولم يطرأ على هذا الشكل تغيير ذو بال إلا ما وجدناه من ظهور شكل الموشح الأندلسي وأشكال أخرى في العصر العباسي، ولم يقدر لهذه الأشكال الجديدة الاستمرار بل سرعان ما توارت، وظل الشعراء يقولون شعرهم على النهج الخليلي. وظلت رسوم القصيدة المتوارثة قائمة طوال العصور اللاحقة، باستثناء ما خالف فيه الشعراء المولدون في العصر العباسي أسلافهم في استهلال القصائد بالحكمة لدى المتنبي وأبي تمام أو بموضوع القصيدة مباشرة أو الخمريات عند أبي نواس.
كان النقد يواكب الحركة الشعرية في هذه الأحقاب، ولكن معظم النقاد كانوا من ذوي الثقافة العربية الخالصة وكانوا يتشبثون بنهج الشعراء القدامى، بل إن منهم من أعلن عدم رضاه عن شعر المولدين لما فيه من مخالفة ما ألفه العرب وما ألفوه هم من مذاهب الشعر، وكثيرون منهم وقفوا أمام شعر المحدثين عاجزين عن استيعاب الأساليب الجديدة ولم يرضوا عن إقحام النظر العقلي والمنطق والمعاني الغامضة في الشعر، ونحن نذكر المساجلة الطريفة التي قامت بين ناقد متشبث بالقديم هو أبو العميثل وبين أبي تمام حين قال له: يا أبا تمام: لم تقول ما لا يفهم؟. فأجابه أبو تمام: لم لا تفهم ما يقال؟. وهذه المساجلة تبرز مباينة أبي تمام لما ألفه النقاد والشعراء القدامى فهنا مناظرة بين ذوقين: ذوق عربي خالص يرى أن الشعر ينبغي أن يكون واضح المعاني بعيدًا عن الغموض، وبين ذوق شاعر محدث ذي ثقافة عقلية فلسفية يغوص على المعاني فلا تدرك إلا بكد الذهن، وقد جاءتنا كلمة ابن الأعرابي حين سمع شعر أبي تمام فقال: إن كان هذا شعرًا فما قالته العرب باطل.
وعلى أن البحتري كان تلميذًا وفيًّا لأبي تمام الذي أخذ بيده في مسيرته الشعرية بوصيته المشهورة، فإنه لم يرض عن إقحام الشعراء المنطق والتعقيد المعنوي في الشعر، فقال أبياته المشهورة التي منها قوله:
كلفتمونا حدود منطقكم
والشعر يغني عن صدقه كذبه
والشعر لمح تكفي إشارته
وليس بالهذر طولت خطبه
كان إذًا ثمة تعارض بين اتجاهين في قول الشعر ونقده: أحدهما يجنح إلى الغموض والغوص على المعاني وإيراد النظرات الفلسفية، وفي هذا الاتجاه نلمس أثر الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو، واتجاه آخر يحمل الطابع العربي الخالص الوفي لأعراف الشعر والقصيدة العربية التراثية. على أن أثر الثقافة الإغريقية كان مقصورًا على الجانب الفكري في أشعار الشعراء القدامى العقلانيين ولم يمس شكل القصيدة، فقد ظل الشعراء ينظمون شعرهم على الأوزان الخليلية ورسوم القافية المتوارثة.
وقد بدأ انحدار الشعر العربي في أواخر العصر العباسي واستفحل في عصر الدول المتتابعة، فأخذ الشعراء ينظمون في موضوعات تافهة ويعنون بالألغاز والأحاجي وكثر النظم في المدائح النبوية على أنه ظهر في ذلك العصر قلة من الشعراء المجيدين كابن التعاويذي، وصفي الدين الحلي والسّريّ الرفاء.
فلما أطل عصر النهضة برزت طائفة من الشعراء اتجهت إلى إحياء الرسوم الشعرية القديمة ومحاكاة الشعراء القدامى الفحول ولاسيما شعراء العصر العباسي، وكان لهؤلاء الإحيائيين فضل إعادة مسيرة الشعر إلى ما كانت عليه في عصور الازدهار الحضاري والأدبي، فعاد إلى الشعر العربي تألقه وأصالته، وكان رائد هذا الإحياء محمود سامي البارودي وعلي الجارم ومحمد الأسمر، ومن سار في موكبهم من شعراء مصر والعراق والشام ولم يظهر في شعر هؤلاء تأثر ذو بال بالشعر الغربي.
ثم ظهر بعدهم عمالقة شعراء النهضة الذين أخذوا بيد الشعر في مسالك جديدة وأنهضوه من كبوته وفي مقدمتهم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران. ولم يخل شعرهم من مسحة تجديدية ومن تأثر بشعراء الغرب ولاسيما شعر خليل مطران الذي قدم لديوانه بمقدمة نقدية كانت معلمًا فارقًا في مسيرة القصيدة العربية. ومع أن مطران التزم الأوزان الخليلية فإنه أدخل في طائفة من قصائده تجديدًا طفيفًا في شكل القصيدة، فنظم الخماسيات في ديوانه "حكاية عاشقين" وقد أعانته معرفته باللغة الفرنسية في الاطلاع على الأدب الفرنسي الذي كان له صداه في شعره.
وقد عاصر هؤلاء الشعراء فئة نزعت إلى التجديد في محتوى النص الشعري ولكنها حافظت على القالب التراثي في معظم أشعارهم ومن هؤلاء جماعة الديوان: عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري، وشعراء المهاجر: جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وآخرون. وفي شعر جبران ونعيمة خروج يسير على شكل القصيدة التراثية.
وفي تلك الحقبة بدأت رياح التجديد القادمة من الغرب تهب على المشرق العربي فيسير في تيارها الشعراء في مصر وسائر الأقطار العربية والمهاجر. وقد وقف هؤلاء الشعراء على المذاهب الشعرية الغربية بعد زمن من ظهورها في الغرب، وأول مدرسة تركت بصماتها القوية في إنتاج الشعراء العرب هي المدرسة الرومانسية Romantisme التي كان من أعلامها في فرنسا الشعراء: لامارتين Lamartine والفرد دي موسيه A.De Musset والفرد دوفينيي A.De Vigny وفيكتور هوجو V.Huge الذي يحتفل الآن في فرنسا بانقضاء مئتي سنة على مولده، وشيلر Schiller وهيلدرلين Helderlin في ألمانيا وكولردج coleridge ووردذورث Wordsworth وشيلي Shelly وبايرون Byron في إنجلترا.
وقد ظهر بعد هؤلاء شاعر فرنسي متميز ورث نهج الرومانسية ولكنه انحرف عنه بعد ذلك إلى الرمز، فمهّد بذلك لظهور الرمزية في فرنسا هو شارك بودلير Ch. Baudelaire وقد اشتهر ديوانه الذي مثل مذهبه الشعري والذي يحمل عنوان "أزهار الشر Les Fleurs du Mal ".
وفي حين كان الشعر الكلاسي موضوعيًّا لا يعبر عن ذاتية الشاعر، كان الشاعر الرومانسي مناقضًا له في تعبيره عن ذاتية الشاعر ومشاعره وأحلامه، فهو ينبع من داخل (الأنا) في حين أن الشعر الكلاسي يصدر عن خارجها. وقد تأثرت بالمنحى الرومانسي الغربي طائفة من الشعراء العرب في المشرق العربي ومغربه والمهاجر منهم خليل مطران وجماعة أبوللو التي أسسها في مصر الدكتور أحمد زكي أبو شادي وكان من أعلامها إبراهيم ناجي وممن تأثروا بهذا المنحى كذلك علي محمود طه.
على أن المنحى الرومانسي ما لبث أن تلقى صدمة عنيفة من المنحى الذي خلفه، والمدارس الفنية إنما تتعاقب وفق قانون الفعل ورد الفعل، فقط ظهرت جماعة من الشعراء الفرنسيين لم ترض عن إيغال المدرسة الرومانسية في الذاتية وجعل (الأنا) محور القصيدة، وهم أتباع المذهب البارناسي Les Parnassians الذين كان رائدهم الشاعر لوكونت دوليل L.de lisle مؤلف أنشودة المارسييز الشهيرة، وكان منهم شعراء كبار أمثال تيوفيل جوتيه Th.Gautier وتيوفيل دوبانفيل، وسولي برودوم S.Prudhomme وهيريديا heredia وغيرهم، وقد أرادت هذه المدرسة أن تعيد الشعر إلى الموضوعية عوضًا عن الذاتية. بيد أن هذه المدرسة لم يكن لها أصداء ذات شأن في الشعر العربي المحدث، فقد ظل الشعراء العرب المحدثون الرومانسيون ماضين في قول الشعر وفق المنحى الرومانسي.
وتعاقبت بعد ذلك المذاهب الفنية والنقدية في الغرب، يحمل كل مذهب منها رؤيته الخاصة في النص الشعري. وأهم مدرسة ظهرت بعد ذلك وتركت أصداءها القوية في الشعر العربي المحدث هي المدرسة الرمزية Symbolisme وقد رفضت هذا المدرسة أن يكون الشعر ترجمة للواقع، وذهبت إلى أنه حصيلة مشاعر وأفكار يعبّر عنها الشاعر بالإشارة والرموز. وقد ظهرت هذه المدرسة في فرنسا نحو عام 1885م وكان ظهورها رد فعل لمنحى الفن والمذهب الطبيعي، ومذهب الرمز ينحو إلى إعطاء الكلمات قوة إيحائية من طريق الرمز والإيقاع الموسيقي. وكان من رواد هذه المدرسة في فرنسا الشاعر فرلين Verlaine ورامبو Rimbaud ومالارميه Mallarmé وما لبث هذا المنحى أن وجد له أنصارًا خارج فرنسا لدى الشعراء البلجيكيين أمثال رودنباخ Rodenbach وفرها يرن Verhaeren في روسيا وداريو Dario في إسبانيا وغيرهم كثير.
وقد تبنى هذا المنحى طائفة من الشعراء العرب المحدثين، والمعاصرين وأنا لا أتوخى إحصاءهم في هذه العجالة، وإنما أنوه بطائفة منهم: أدونيس ويوسف الخال ومجلة شعر في لبنان، وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وعبد الرازق عبد الواحد وبشر فارس ويوسف غصوب وصلاح لبكي وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وفاروق شوشة وغيرهم.
وقد أشرت سابقًا إلى أن ظهور المذاهب الفنية في الغرب سبق ظهورها لدى الشعراء العرب بزمن طويل، فقد وقف شعراؤنا على هذه المذاهب منذ مطلع عصر النهضة الحديثة وما بعده فاختار كل شاعر ما وافق هواه ومنزعه منها.
وقد طرأ على النقد العربي الحديث هزة عنيفة بظهور الشاعر والناقد الأمريكي المولد توماس. س. إليوت T.S.Elliot (1888 – 1965) الذي تأثر بنظرات الشاعر والناقد الإنجليزي الشهير ماثيو أرنولد M.Arnnold ، فتبناها ثم طوّرها. وقد عرض نظراته النقدية في طائفة من مؤلفاته ثم طبقها في قصيدته المشهورة (الأرض اليباب) والذي يعنينا هنا من نظراته إنما هو اهتمامه بالتراث الأدبي العالمي وتضمين شعره ومقاطع من روائع التراث الغربي وهو يثبت هذه المقاطع بلغتها الأصلية، فاقتبس من إلياذة هوميروس ومن إنيادة فرجيل ومن جوته ودانتي الإيطالي في الكوميديا الإلهية ومن الشعر الرمزي الفرنسي، وشعر بودلير خاصة، وكانت ثقافته الواسعة معينة له في إيراد هذه المقتبسات. وإليوت هو الذي أوجد ما عرف في النقد بالمعادل الموضوعي، وذهب كذلك إلى دراسة النص الشعري بمعزل عن المؤثرات الخارجية من أي نوع كانت. وشعر إليوت يتسم بالغموض، ولكنه غموض العمق لا غموض البلاغة اللفظي والزينة، كما يتسم بالإفراط في العقلانية وغياب العلائق المنطقية، واستخدامه الصور بإفراط، ولكنها صور عسيرة على التصور، ولابد من إمعان النظر فيها لتكشف عن مدلولاتها. وقد اضطره منهجه هذا إلى التضحية بالشكل الشعري المتوارث في سبيل التعبير عن المحتوى، فظهر على يده ما عرف بالشعر الحر، العاري عن الوزن والقافية، وهذا اللون من الشعر لقي رواجًا لدى طائفة من شعرائنا المحدثين والمعاصرين.
إن أول تغيير ذي شأن في شكل القصيدة العربية، إنما قام على يد الشاعرة والناقدة العراقية نازك الملائكة التي خرجت عن نهج الشكل الخليلي للقصيدة، وقد سبقها إلى التصرف في شكل القصيدة محاولات غير موفقة لم يقدر لها الاستمرار، وكانت أول قصيدة جنحت فيها نازك إلى مفارقة النهج الخليلي في شكل القصيدة هي قصيدة "الكوليرا" التي نظمتها سنة 1947م، وأطلقت على هذا الشكل الجديد مصطلح "الشعر الحر"، وفي الوقت عينه قال بدر شاكر السياب قصيدته (أزهار ذابلة) على غرار قصيدة نازك ثم أصدرت الشاعرة ديوانها "شظايا ورماد" الذي أثار عاصفة نقدية لدى ظهوره في سنة 1949م، ولكن هذا الشكل الجديد ما لبث أن استجابت له طائفة من شعراء العراق، فأصدر عبد الوهاب البياتي ديوانه "ملائكة وشياطين" على نمط شعر نازك وتبعه بدر شاكر السياب في ديوانه (أساطير) وتتابعت بعد ذلك دواوين عدة انتهجت سبيل نازك الملائكة.
وقد أوضحت الشاعرة بعد ذلك صنيعها في تطوير القالب الشعري التراثي في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" الصادر عام 1962م.
على أن ما أطلقت عليه نازك الملائكة. مصطلح "الشعر الحر" إنما هو في واقع الأمر شعر موزون تتكرر فيه تفعيلة واحدة في كل شطر ويلتزم إيراد القافية ولكنها تتنوع في القصيدة الواحدة، فهو ليس شعرًا متحررًا من الوزن والقافية ولا يصح أن نطلق عليه مسمى "الشعر الحر" والأصح أن يطلق عليه مصطلح (شعر التفعيلة) الذي درج على النظم فيه بعد نازك جمهرة من الشعراء، وكانت نازك في اختيارها هذا القالب الشعري الجديد متأثرة بقراءتها للشعر الإنجليزي، وقد أعانت الشاعرة إجادتها اللغة الإنجليزية على قراءة الشعر الإنجليزي وتذوقه.
وقد نظمت شعر التفعيلة جماعة كبيرة من الشعراء العرب في غير العراق ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: نزار القباني، وأحمد عبد المعطي حجازي، وفاروق شوشة وصلاح عبد الصبور، وكثير غيرهم.
أما الشعر الحر بمعناه الحقيقي، أي الشعر المتحرر من قيدي الوزن والقافية الذي أدار ظهره للشكل المتوارث فقد ظهر متأخرًا، بتأثير تيار الشعر الحر الذي ظهر في الغرب وكان من أبرز الدعاة إليه الناقد والشاعر ت.س. إليوت ومن تابعه. وقد أطلق بعضهم على هذا النمط الشعري الجديد مصطلح "قصيدة النثر"، وفي هذا المصطلح تناقض بين جزأيه، فلفظ قصيدة يتناقض مع تعريف النثر، والأمثل أن يدعى الشعر الحر، وقد نظم فيه كثيرون، بعضهم من الشعراء الذين نظموا شعر التفعيلة، وبعضهم اقتحم بوابة الشعر الحر مباشرة. ومن المؤسف أن هذا الشكل الجديد قد أفسح المجال أمام طائفة ممن يزعمون أنهم شعراء وهم لا يملكون أية موهبة شعرية، فأسمعونا لغوًا وهذيانًا أطلقوا عليه اسم الشعر، وهو لا يمت إلى الشعر بصلة، وإنما جاؤوا بألفاظ مرصوف بعضها إلى جانب بعض لا تنطوي على أية دلالة ولا تستنبط منها أية صورة، متذرعين بدعوى أن شعرهم بما فيه من غموض لا يتأتى فك طلاسمه إلا عند أولي المقدرة على النفاذ إلى ما وراء الألفاظ والشكل الجديد للشعر.
وهذا التخبط في قول الشعر يذكرنا بما حل بفن التصوير حين نحا فيه المصور العبقري بيكاسو إلى التجريد فتابعه مصورون مبدعون وآخرون لا يملكون أية موهبة فنية، فصنعوا لوحات تجريدية لا تعدو أن تكون خليطًا اعتباطيًّا غير متجانس من الألوان والخطوط بعيدًا كل البعد عن الفن الأصيل، والفن براء منه.
إن استقصاء كل آثار المذاهب الشعرية والنقدية في شعرنا الحديث أمر متعذر بيانه في مثل هذا البحث الموجز وهو يحتاج أن يفرد له كتاب مستقل.
على أنني سأقف هنا وقفة سريعة عند المذاهب النقدية المحدثة في تحليل النص الشعري والتي تبنّت منهجًا أحاديًّا في تحليله.
ومنها المنهج النفسي والمنهج الاجتماعي والمنهج التفكيكي، والمنهج الرمزي وأقوى هذه المناهج أثرًا في النقد العربي الحديث هو المذهب الذي دعا إليه الشاعر والناقد ت.س. إليوت، والقائم على دراسة النص الشعري بمعزل عن العوامل الخارجية، وكل هذه المناهج تجنح إلى نظرة جزئية أحادية في تحليل النص الشعري، وقد حاق الإخفاق بجميع هذه المناهج وعاد منظرو الشعر إلى نهج النظرية الشاملة التكاملية في تحليل النص الشعري.
وقد عاد اليوم معظم النقاد عن هذه المذاهب الأحادية النظرة واتجه معظم النقاد إلى دراسة النص الشعري دراسة تلمّ بجميع العوامل المؤثرة، وهذا النهج في الدراسة الشاملة أطلق عليه النهج التكاملي، وعندي أنه أصلح المذاهب في دراسة النص الشعري العربي.
والمنهج التكاملي يقوم على استخدام جميع المناهج الأحادية في دراسة النص مع دراسة العوامل الخارجية التي تعين على بيان محتوى النص أفكارًا وصورًا وأساليب.
وتحقيقًا لهذا المنهج في دراسة شعرنا القديم، يلاحظ أولاً أن دواوين شعرائنا القدامى قد وصلَنا الجانبُ الأكبر منها مرتبًا على حروف المعجم في القافية، فلم يرتب تاريخيًّا ولم تذكر المناسبة التي قيل فيها، باستثناء بعض الدواوين التي عني جامعوها أو أصحابها بذكر مناسبة كل قصيدة كديوان المتنبي وديوان المعرّي، ولكن هذا الشعر لم يرتب ترتيبًا تاريخيًّا، ومن هنا نجد صعوبة كبرى في النفاذ إلى دلالات النص ومعانيه وما يرد فيه من إشارات تاريخية أو دينية أو علمية أو غيرها، وبعض القصائد يتعذر فهم معانيها، ولذلك فإن تحليل هذه النصوص على الوجه الصحيح يقتضي تعرفنا العوامل الخارجية المؤثرة فيه قبل أن نتصدى لدراسة النص نفسه.
ونريد بالعوامل الخارجية تعرّف سيرة الشاعر وما مر به من أحداث في حياته كان لها صداها في شعره، ثم أن نقف على المناسبة التي قيل فيها النص لاستجلاء معانيه، وإلى جانب ذلك ينبغي معرفة الزمن الذي قيل فيه النص والبيئة المكانية، لأن النص الشعري غير معزول عن عصره وبيئته وعن طبيعة قائله ونفسيته، ودعونا نطلق على جملة هذه العوامل مصطلح (جو النص). وبعد أن نفرغ من هذا الجانب نتصدى لدراسة النص نفسه مستغلين شتى المذاهب النقدية التحليلية، فندرس بنية النص حروفًا وألفاظًا وتراكيب، وندرس الصور التي احتوى عليها النص دراسة فنية تستجلي ما فيها من مناحي الإبداع والتجديد والمقدرة الإيحائية مع بيان أثرها في نفس القارئ. فعنصر التصوير والخيال بنوعيه الجزئي والكلي هما قوام الشعر الحقيقي إضافة إلى عنصر الموسيقا والإيقاع، وقد نضطر إلى استخدام المناهج النفسية والاجتماعية والرمزية وغيرها في تحليل محتوى النص.
تلكم هي مقومات المنهج التكاملي الشامل في دراسة النص الشعري. ولكي أبين مميزات هذا المنهج وضرورته أضع بين أيديكم قصيدتين مشهورتين من عيون الشعر العربي القديم، وهما قصيدة أبي تمام في فتح عمورية التي مطلعها:
السيف أصدق أنباءً من الكتب
في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
وقصيدة المتنبي التي مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا
وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وأنا لا أتوخى في هذه العجالة تحليل هاتين القصيدتين وفقًا للمنهج التكاملي الذي اتجهت إليه وارتضيته، لأن تحليلهما تحليلا وافيًا يحتاج إلى عشرات الصفحات، وإنما قصدي أن أبيّن ضرورة الوقوف على جو هاتين القصيدتين لنستطيع أن نتعرّف مراميهما وما فيهما من إشارات تاريخية وجوانب تتصل بالمعارف العلمية التي كانت سائدة في عصرهما، والحالة النفسية التي كان عليها الشاعران حين قال كل منهما قصيدته.
يبدأ أبو تمام قصيدته بهذا المطلع المشهور:
السيف أصدق أنباءً من الكتب
في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
فمن يجهل جو النص يتساءل ما هي الكتب التي يتحدث عنها أبو تمام، وما الذي يعنيه بقوله إن السيف أصدق أنباءً من الكتب. ويتضح المقصود حين نعلم ما كان شائعًا في عصر أبي تمام من استطلاع الغيب من طريق النظر في الأبراج السماوية والكواكب. فقد وقف العرب عصرئذٍ على ما عُرف بعلم النجوم، وهو يختلف عن علم الفلك القائم على أسس علمية لا مجال للطعن في صحتها. أما علم النجوم فهو يقوم على استشراف المستقبل من طريق النظر في النجوم والأبراج والتعرف إلى مصاير الناس وما يخبؤه لهم الغد من أحداث سارة أو سيئة، وهو ضرب من التخليط والتخرّص لا يقوم على أساس علمي ثابت، وقد امتهنته فئة استغلت توق الإنسان إلى معرفة ما يخبؤه له الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تجعل الاطلاع على الغيب من شأن الله وحده، من ذلك قوله تعالى : " وما كـان الله لِيُطلِعكُم على الغيب" [ آل عمران 179]. وقوله تعالى: "إنما الغيبُ لله" [ يونس 20]. وثمة أحاديث نبوية تدعو إلى تكذيب المنجمين. وقد أدرك هذه الحقيقة بعض الشعراء القدامى الذين عرفوا بالحكمة، ومن ذلك قول زهير ابن أبي سلمى:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غدٍ عمِ
ومن المؤسف أن الاعتقاد بارتباط مصاير الناس بالأبراج السماوية مازال قائمًا إلى اليوم، في عصر التقدم العلمي المتنامي الذي نعيشه. وقد دأبت بعض الصحف والمجلات على تخصيص زاوية لتنبؤات الأبراج، وهو كلام بعيد كل البعد عن الحقيقة العلمية.
وفي العصر العباسي شاع علم النجوم شيوعًا عظيمًا وأصبح للمنجمين فيه مكانة كبيرة حتى أصبح الناس لا يقدمون على أمر ذي بال إلا بعد استشارة المنجمين، وبات من المألوف أن لا يقدم الخليفة على بناء مدينة أو غزو عدو أو أمر هام إلا بعد استشارة المنجمين. وقد حدث أن الخليفة المعتصم لما عزم على غزو عمّورية استشار المنجمين فزعموا له أنهم يجدون في كتبهم أن هذه المدينة لا تفتح في هذا الوقت ويجب الانتظار حتى مقدم الصيف. ولكن المعتصم ضرب بأقوالهم عرض الحائط ومضى لطيته فورًا ففتح عمورية وأشعل فيها النار، مخالفًا أقوال المنجمين. وإعراض المعتصم عن الأخذ بأقوال المنجمين إنما مردّه إلى انتمائه إلى مذهب الاعتزال العقلاني الذي انتصـر له أخوه المأمون قبله ، والمعتزلة هم الذين أرادوا تحكيم العقل في أمور الدين. فلا غرو أن يستخف المعتصم بأقوال المنجمين ويعرض عن مزاعمهم وتخرُّصاتهم. وكان أبو تمام كذلك ممّن ينزعون إلى تحكيم العقل في أمورهم. فلمّا انتصر المعتصم على الروم وفتح عمورية استغل المناسبة ليسخر من المنجمين وتخرُّصاتهم. فلولا معرفتنا مسبقًا بهذه الحقائق لما اهتدينا إلى إدراك ما قصده أبو تمام في مطلع قصيدته من تفضيل أنباء السيف والقتال على أنباء كتب المنجمين. وهو يمضي في الهزء بأقوالهم وتخرُّصاتهم فيقول بعد المطلع:
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والرِّيَب والعلم في شهب الأرماح لامعة
بين الخمسين لا في السبعة الشهب أين الرواية بل أين النجوم وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرُّصًا وأحاديثًا ملفَّقةً
ليست بنبع إذا عُدّت ولا غَرَب
إلى آخر هذه المقدمة وكلها استخفاف بأقوال المنجمين.
ويشير في أحد أبيات القصيدة إلى أن عمورية فتحت قبل حلول الصيف وقد زعم المنجمون أنها لا تفتح قبل حلوله:
تسعون ألفًا كآساد الشرى نضجت
جلودهم قبل نضج التين والعنب
هذا فضلاً عن إشارات أخرى لا تتأتى معرفتها إلا بمعرفة جو القصيدة.
ولننتقل الآن إلى قصيدة المتنبي التي مطلعها:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا
وحسـب المنايا أن يكنّ أمانيا
تمنيتها لمّا تمنيت أن ترى
صديقًا فأعيا أو عدوًّا مداجيا
وهي من أروع ما قاله المتنبي من الشعر، ولاسيما مقدمتها قبل انتقاله إلى مدح كافور. هذه القصيدة ذكرت مناسبتها، شأن جميع قصائد المتنبي، فوفرت على الدارس البحث عن مناسبتها، بل لقد ذكر زمانها وهو جمادى الآخرة من سنة ست وأربعين وثلاث مئة. ومع ذلك فإن المناسبة المذكورة لم توضح لماذا فارق المتنبي سيف الدولة، ولم كان حين قال هذه القصيدة في حالة إحباط شديد، فلابد للدارس من أن يلتمس في أخبار المتنبي ما يجلو أسباب قولها وسبب شعور المتنبي باليأس والحزن والإحباط في مطلعها، وهو شعور صادق ومؤثر.
فإذا عدنا إلى أخبار المتنبي في مصادر ترجمته وقعنا على أكثر من سبب لمغادرته سيف الدولة، على إعجابه وحبه له وإيثاره على غيره من الممدوحين، وقد ذكروا من أسباب هذا الفراق الخصومة التي كانت بينه وبين ابن خالويه المقرّب من سيف الدولة والتي انتهت بضرب ابن خالويه المتنبي بمفتاح فشجه وأسال دمه، ومع ذلك لم ينتصر له سيف الدولة، وكان أبو فراس كذلك من خصوم المتنبي الألداء وكان لا يفتأ يحرض سيف الدولة عليه. ويستظهر الأستاذ العلامة محمود شاكر - رحمه الله - في كتابه عن المتنبي أن السبب الحقيقي لفراق المتنبي سيف الدولة هو حبه لخولة أخت سيف الدولة، وكان يتمنى الزواج منها، فلم تتحقق أمنيته وأثار عليه سيف الدولة وأبا العشائر وأبا فراس. يضاف إلى هذا كله خيبة آمال المتنبي في تحقيق مطامحه السياسية، في تولي إمارة ترضي نزوعه إلى المراتب العليا. ولعل هذه الأسباب مجتمعة كانت وراء مفارقته سيف الدولة ليحط رحاله في الشام ثم في الرملة ثم في مصر، في جوار كافور الإخشيدي الذي كان في نظر المتنبي عبدًا اغتصب عرش مولاه، والمتنبي لا يعجب إلا بعظماء الرجال.
هذه الأسباب تضع يدنا على أسباب مفارقة المتنبي سيف الدولة ومصيره إلى كافور، وكان الشاعر إذ ذاك في حالة إحباط شديد جعلته يضيق بحياته ويتمنى لقاء الموت. ومطلع القصيدة يصوّر لنا هذه الحالة أوضح تصوير، ويصور في الوقت










عينه تعلقه الشديد بسيف الدولة، وما يكنه له من حب وولاء صادقين.
فلابد لدارس هذه القصيدة من الالتفات إلى نفسية الشاعر التي تبدو سافرة جلية في مقدمتها، ولابد له من الإحاطة بالجو الانفعالي الذي يكشف عن الجوانب الخفية فيها.
فكذلك نرى أن تحليل النص الشعري لا يستقيم إلا بعد الإحاطة بجو النص وبدراسة متكاملة لجميع عناصره اللغوية والنحوية والبنوية والتصويرية والجمالية، والمنهج التكاملي هو المنهج الأصلح الذي يفي بكل هذه المتطلبات.
إحسان النص
عضو المجمع من سورية
منقول

رد مع اقتباس
  #2 (permalink)  
قديم 04-05-2008, 01:42 AM
الصورة الرمزية الدكتور511
مشرف القسم العام
  الحياة 1871 / 1871
النشاط 1602 / 4760
المؤشر 90%
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: قلـــ الرياض ـبي
المشاركات: 4,806
المستوى: 50
[]
رد: أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا

HAMOKSHA0

طرح ودراسه جميلة

اخي كلما قل مضمون الموضوع

كلما زاد عدد القراء

تحياتي
__________________

***

رد مع اقتباس
  #3 (permalink)  
قديم 04-05-2008, 01:44 AM
الصورة الرمزية أميرةالنساء
مشرفة قصص وخواطر
  الحياة 998 / 1426
النشاط 1397 / 5764
المؤشر 53%
تاريخ التسجيل: May 2007
الدولة: بنت الأسود من بلدآل سعود
المشاركات: 4,193
المستوى: 48
[]
رد: أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا

قد طال في رسم الديار بكائي
وقد طال تردادي بهاو عنائي

كم هي جميلة أشعار العصور القديمة
رغم اختلاف عصرنا إلا أنها تأخذنا لحيث كانوا

أحسنت النقل ،، وشكرا لجهودك بالقسم

__________________
***





رد مع اقتباس
  #4 (permalink)  
قديم 04-05-2008, 01:50 AM
الصورة الرمزية mhmmd_shaker
:: متميـزيـن في عالمنــا ::
  الحياة 234 / 781
النشاط 470 / 2647
المؤشر 25%
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر ام الدنيا
المشاركات: 1,412
المستوى: 32
[]
رد: أثر الشعراء والنُّقَّاد الغربيين في شعرائنا ونُقَّادنا

Hamoksha0
مشكور لنقل الموضوع الجميل لنا
و انا مع راي اخي الدكتور511
__________________
من المتميـزين في عالمنـــا .. عالم نوكيـا



------

من السهل ان يبيع المرء شيء قد شراه
لكن من الصعب ان يبيع قلب قد هواه

>>>>>>>>>>
اقم صلاتك
تنعم بحياتك
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النبى والقرآن فى رأى الغربيين مصطفى الباجورى المنتدى الإسلامي العام 14 11-25-2007 06:50 PM
النبى والقرآن فى رأى الغربيين مصطفى الباجورى المنتدى الإسلامي العام 10 11-05-2007 11:19 AM

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:27 AM.
 
Powered by vBulletin Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0